مجموعة مؤلفين

307

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

التأثير المتبادل بين الفرد والمجتمع ( وحدة المجتمع ) : ومن أبرز سمات المجتمع هي وحدته التامة ، فهو كالكون المتماسك إذا اختل منه جزء انتقض كامل نظامه ، أو كالجسد الواحد إذا تعطل منه عضو ظهر تأثيره في بقية أجزائه . يقول النبي ( ص ) : « مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم ، كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر » . ومن هذا المنطلق التكاملي نجد أن القرآن يعتبر إساءة الانسان لغيره إساءه لنفسه ، وقتل المرء لأخيه هو قتلا لذاته . يقول تعالى : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ( الحجرات 11 ) ويقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ . وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . إِنَّ اللّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ( النساء 29 ) . أي لا يقتل بعضكم بعضا . ولو كان المقصود بذلك أن لا يقتل المرء نفسه لجاءت الآية بصيغة المفرد وليس الجمع . ( 1 ) ومن منطلق وحدة المجتمع اعتبر القرآن أنّ من يقتل شخصا فكأنما قتل المجتمع كله . يقول تعالى : مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أنَهَُّ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ ، فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً ، وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً ( المائدة 32 ) لذلك اعتبر ضرورة القصاص للجاني لأنه يقتل المجتمع بفعله ، واعتبر زواله حياة للمجتمع . يقول جل من قائل : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( سورة البقرة 179 ) مبدأ حرية الفرد في الكسب والتملك الاسلام يساير الفطرة ويحاول تشجيعها والاستفادة منها ، وكل نظام يعاكس الفطرة فاشل لا محالة ، مهما أقام على الافراد ستارا حديديا . والاسلام بعد أن عالج الفقر وأمّن الحياة العزيزة الكريمة لكل إنسان في مجتمعه ، لم يجد ضيرا من أن يعمل كل انسان بحرية تامة ، باذلا كل امكانياته للكسب والانتاج ، لا بل إنه يرى أن ذلك من

--> ( 1 ) الظاهر : أن الآية مطلقة ، تشتمل قتل الانسان نفسه أيضا .